شكلت غضبة النواب تجاه السياسة الغامضة غير المسؤولة في ملف اللجوء السوري، لحظة نادرة من التعبير عن القلق الوطني إزاء تداعيات الأزمة السورية على الأردن.
شطارة الرئيس عبدالله النسور في انتقاء المعايير التي تناسبه في تبرير السياسات الرسمية، لم تعد تثير الحنق، بل الملل. ها ! فجأة ينقلب النسور من حديث الأرقام والضرورات إلى حديث الأخوة والإنسانية .. الكتاّب الليبراليون والإخوان المسلمون يتحدثون عن ‘ العنصرية’ إزاء الأخوة السوريين، بينما كلاهما يشجعان ‘ ثورة’ عنصرية تتبارى في ذبح الشعب السوري وتدمير الدولة الوطنية السورية..
طيّب! دعونا من هذا السجال ، ولنواجه الحقائق، ثم نتوصل إلى الاستنتاج الذي يفرضه المعيار الوحيد المسؤول، أعني داعي المصلحة العليا للدولة الوطنية الأردنية.
أولا، لا ترتبط ظاهرة اللجوء السوري إلى الأردن، حصريا، بالأحداث المؤلمة في البلد الجار، بل إن هذه الأحداث هي التي سمحت ـ ولم تسبب بالضرورة ـ تلك الظاهرة. بالعكس، فإن ظاهرة الانفجار السكاني غير المستوعَب في الريف السوري هي المسؤولة عن انفجار الوضع الأمني في محافظات الجمهورية ، وأدت إلى اتجاه حركة الاحتجاج إلى العنف والطائفية والتكفير والنزعة التدميرية المعادية للدولة الوطنية المدنية.
شهدت فترة الثمانينات والتسعينات في سورية، تحت حكم الرئيس الراحل حافظ الأسد، سياسات اقتصادية واجتماعية، أدت إلى نوع من الاستقرار والازدهار النسبي في الريف السوري، نشأ عنهما ثورة ديموغرافية. ولدى انتقال الحكم إلى الرئيس بشار الأسد ، وبدء الانحياز نحو سياسات نيوليبرالية، تحول قسم كبير من الكثافة السكانية الريفية إلى العطالة والإفقار والتهميش. وهي البيئة الملائمة للتطرف الديني والسياسي، ونزعة الانتحار الجماعي في الحرب الأهلية، وكذلك، نزعة الهجرة الواسعة التي تنطوي على قرار بالذهاب دون العودة. وما أن فرط الأمن وتفككت الإدارات، وتشكّل سياق اقليمي ودولي للتهجير، حتى أصبحت نزعة الهجرة، حركة واسعة النطاق.
حدث ذلك في الريف السوري واللبناني سابقا، فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى عشرينات القرن العشرين، أدت الكثافة السكانية رفقة انهيارات اقتصادية متتابعة في ظروف الحرب العالمية الأولى، إلى الهجرة الكثيفة نحو الأميركيتين. وحدثت محطة أخرى من الهجرة منذ السبعينات باتجاه المدن، دمشق وبيروت. ولا ننسى أن فائض العمالة الريفية السورية كان يستوعبه الوجود السوري في لبنان الذي انتهى في ربيع العام 2005.
كان استيعاب الفائض السكاني في الريف السوري ممكنا قبل الأحداث الدامية المستمرة منذ 2011، من خلال نموذج تنموي ديموقراطي اجتماعي يلحظ سلسلة متعاضدة من المشاريع الزراعية والصناعية، برعاية الدولة، وتسهيل ودعم جهود القطاع الخاص في مجال الصناعة. ومع أن هذا النموذج يظل مطلوبا دائما، فإن قدرة الاقتصاد السوري على التعافي واستعادة ديناميكيته، سوف تتطلبان وقتا ليس بالقصير لاستيعاب وإدارة العمالة الفائضة. يعني ذلك أننا أمام مشكلة جوهرية ـ لا مشكلة طارئة ـ تستوجب التعامل معها بحس عال من المسؤولية والجرأة والعقلانية.
العرب اليوم